جاري التحميل الآن
×

السياسة بين الأخلاق والانتهازية: حين يغيب الإنصات ويُستبعد العدل.

السياسة بين الأخلاق والانتهازية: حين يغيب الإنصات ويُستبعد العدل.

السياسة في أصلها تكليف وليست تشريفًا، مسؤولية وليست وجاهة، خدمة للرعية وليست وسيلة للاغتناء أو التسلّق أوتضارب المصالح. هذا ما رسّخته القيم الإسلامية منذ بزوغ فجرها، حيث ربطت التدبير العام للأمة بمقام الأمانة، وجعلت المسؤول راعيًا عن رعيته. غير أن ما نشهده اليوم في واقعنا السياسي هو انقلاب على هذه الفلسفة النبيلة: خطاب كثير، ووعود براقة، ومؤسسات حزبية ونقابية شكلية، لكن عند المحك يغيب صوت المواطن ويُستبدل بلغة الخشب والتبرير.

إن ممارسة السياسة بأخلاق تبدأ أولًا بالإنصات الصادق للشارع، للنبض الحيّ الذي يخرج في احتجاجات سلمية، أو يُعبّر عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي. الشارع ليس عدوًا للمسؤول ، بل هو منحه الشرعية، وهو المرآة التي تكشف مواطن الخلل. تجاهل الشارع أو الردّ على مطالبه بالآذان الصمّاء، ليس إلا إعلانًا مبطنًا بانفصال النخب السياسية عن الناس، وبأن من في مواقع القرار يعيشون في عالم موازٍ لا يلتقي مع الواقع المعيشي المرّ.

تاريخ الأمة الإسلامية يقدّم دروسًا لا تُقدّر بثمن في تدبير الشأن العام. عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يجوب الليل ليتفقد أحوال الناس، ويقول قولته الشهيرة: “لو عثرت بغلة في العراق لخشيت أن يسألني الله عنها: لمَ لمْ تصلح لها الطريق يا عمر؟”، أما علي بن أبي طالب رضي الله عنه فكان يذكّر الولاة بقوله: “إن الله فرض على أئمة العدل أن يقدّروا أنفسهم بضعفة الناس، كيلا يتبيّغ بالفقير فقره.”، بينما كان عمر بن عبد العزيز يُعرّف الحكم بأنه تكليف ثقيل، لا يتسابق إليه من يبحث عن دنيا، بل من يريد أن يُقيم ميزان العدل.

في المقابل، نجد ساسة اليوم يتعاملون مع المسؤولية بمنطق الغنيمة لا الأمانة. المواطن البسيط يُسحق تحت أعباء الغلاء، والصحة والتعليم في تراجع مخيف، بينما تُقابَل صرخات الشارع إما بالصمت المطبق أو ببيانات رسمية مليئة بالشعارات الفضفاضة. ما أحوجنا لسياسة تُعيد الاعتبار إلى الأخلاق، وتضع القيم الإسلامية إطارًا للتدبير لا مجرد شعارات انتخابية للاستهلاك.

السياسة بلا أخلاق تتحوّل إلى استبداد مقنّع، وإلى إدارة أزمات بدل صناعة الحلول. أما السياسة المرتبطة بالعدل والإنصاف، فهي قادرة على تحويل الاحتجاجات إلى حوار، والغضب الشعبي إلى مشروع إصلاح.

إن الخطر الأكبر اليوم ليس في خروج الناس إلى الشارع، بل في استمرار القطيعة بين المسؤولين في مراكز القرار وبين الشارع. حين يُقصى صوت المواطن، وحين يُختزل التدبير في الأرقام والحسابات الضيقة، تُفتح أبواب الفتنة وتُفقد الثقة في المؤسسات. وذاك عين ما نعيشه: أزمة ثقة خانقة، سببها أن السياسة فقدت أخلاقها.

مشاركة المحتوى:

إرسال التعليق

المزيد