انهيار مشروع سياسي: الهزيمة القاسية لرشيدة داتي في باريس
بقلم عبد الرزاق الحارثي
ما حدث في الانتخابات البلدية بباريس لم يكن مجرد خسارة انتخابية عابرة، بل كان أقرب إلى انهيار مشروع سياسي كامل. هزيمة لم تترك مجالًا للتأويل أو التبرير، بل جاءت واضحة، قاسية، وتكاد تكون إدانة مباشرة لأداء حملة بُنيت على حسابات خاطئة من البداية.
دخلت رشيدة داتي المعركة بثقة مفرطة، وكأن الطريق إلى بلدية باريس مفروش بالوعود الإعلامية والحضور الشخصي، لكنها اصطدمت بواقع انتخابي أكثر تعقيدًا. فبدل أن تفرض نفسها كبديل قوي مستمر، كشفت الحملة عن ارتباك عميق، وعجز عن قراءة المزاج السياسي للناخب الباريسي.
منذ الأسابيع الأولى، بدا أن حملة رشيدة داتي مرتبكة و تفتقر إلى بوصلة واضحة. خطاب متشنّج، رسائل متناقضة، واعتماد مفرط على المواجهة بدل الإقناع. لم يكن هناك مشروع جامع بقدر ما كان هناك استعراض سياسي لم يترجم إلى ثقة في صناديق الاقتراع.
الأخطر من ذلك، أن الانقسامات داخل معسكرها لم تُعالج، بل تفاقمت، ما جعلها تدخل السباق وهي تفتقد إلى الحد الأدنى من الوحدة الضرورية لأي انتصار. وفي السياسة، الانقسام لا يُغتفر… وثمنه يُدفع مباشرة يوم الاقتراع.
في الجهة المقابلة، لم يحتج الخصم المنافس كريكوار إلى أكثر من استثمار أخطاء منافسته. حملة منظمة، خطاب أقل صخبًا وأكثر وضوحًا، وقاعدة انتخابية متماسكة. الفارق في النتائج لم يكن مجرد أرقام، بل كان تعبيرًا عن فجوة حقيقية في الكفاءة والجاهزية.
هزيمة داتي عبرت عن سقوط الثقة قبل سقوط الأصوات ولم تبدأ يوم إعلان النتائج، بل بدأت حين فقدت الحملة قدرتها على إقناع الناخبين. فالصورة التي حاولت داتي تسويقها كـ“قائدة حازمة” تحولت لدى جزء من الرأي العام إلى نموذج للاندفاع غير المحسوب، بل وحتى العجز عن بناء توافق سياسي.
ومع تراكم الضغوط والجدل الإعلامي، بدا واضحًا أن الحملة لم تعد تدافع عن مشروع، بل تحاول فقط الحد من الخسائر… دون جدوى.
خسارة داتي في باريس ليست مجرد تعثر، بل لحظة كاشفة لحدود خطاب سياسي لم ينجح في التحول إلى مشروع مقنع. إنها هزيمة كشفت خللًا في التقدير، و الاستهانة بالآخرين وضعفًا في الإدارة، وعجزًا عن تحويل الطموح إلى واقع.
وفي مدينة مثل باريس، لا تُمنح القيادة لمن يرفع صوته أكثر و للظواهر الاجتماعية و الصوتية بل لمن يقنع أكثر. وفي هذا الاختبار، كان السقوط واضحًا، وثقيلًا، ولا يمكن تجاهله.
مشاركة المحتوى:



إرسال التعليق