المغرب يحسم نزاع الصحراء إفريقيا.
مرسول بريس
في تطور دبلوماسي لافت، شكّل إعلان مالي سحب اعترافها بما يسمى “الجمهورية الصحراوية” ضربة قوية جديدة لمن كان يمني النفس باستمرار جبهة البوليساريو، وكشف في الوقت ذاته عن تسارع واضح في تحوّل موازين القوى داخل القارة الإفريقية لصالح المغرب.
قرار مالي لا يمكن اختزاله في خطوة رمزية أو رقم إضافي ضمن لائحة الدول، بل يمثل تحولا استراتيجيا بالنظر إلى ثقل هذا البلد داخل منطقة الساحل وغرب إفريقيا، وتأثيره في التوازنات الإقليمية. فخروج باماكو من دائرة الغموض إلى موقف صريح داعم لمبادرة الحكم الذاتي يعكس انتقالا نوعيا في التعاطي الإفريقي مع هذا النزاع.
طوال سنوات، تعامل المغرب ببراغماتية مع مواقف بعض الدول التي كانت تعترف بالكيان الانفصالي تحت ضغط توازنات معقدة. غير أن التطورات الأخيرة تؤكد بالملموس أن هذه المرحلة تقترب من نهايتها، وأن منطق الواقعية السياسية بدأ يفرض نفسه بقوة داخل القارة.
وليس قرار مالي بالمعزول بل قد سبقته خطوات مماثلة من دول وازنة مثل أنغولا وكينيا، ما يعكس اتجاها عاما نحو مراجعة المواقف القديمة التي تعود إلى سياقات الحرب الباردة. اليوم، لم يتبق سوى عدد محدود جدا من الدول التي ما تزال متمسكة بدعم البوليساريو، في مقدمتها الجزائر، إلى جانب بعض دول الجنوب الإفريقي التي ترتبط بحسابات سياسية وتاريخية خاصة.
في المقابل، يحقق المغرب اختراقا عميقا داخل إفريقيا، ليس فقط عبر سحب الاعترافات، بل أيضا من خلال تعزيز حضوره الميداني. ويكفي أن 22 دولة إفريقية افتتحت قنصليات في مدينتي العيون والداخلة، في خطوة تحمل دلالات سياسية واضحة وتكريسا عمليا للاعتراف بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية.
الأرقام هنا ليست مجرد معطيات جامدة، بل تعكس تحولا جذريا، من قارة كانت في ثمانينيات القرن الماضي تمنح دعما واسعا للانفصاليين، إلى فضاء إفريقي يميل اليوم بشكل متزايد وقوي نحو الطرح المغربي، القائم على الواقعية والحلول السياسية.
هذا التحول المتسارع يضع البوليساريو أمام عزلة غير مسبوقة، ويكشف في الآن ذاته تراجع الرهان الجزائري داخل العمق الإفريقي. ومع استمرار هذا الزخم، يبدو أن ما تبقى من معاقل الدعم للانفصال لن يصمد طويلا أمام دينامية دبلوماسية مغربية تزداد قوة وثباتا.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد تطور عابر، بل إعادة رسم حقيقية لخريطة الاعترافات داخل إفريقيا، عنوانها الأبرز، المغرب يربح في العمق.
مشاركة المحتوى:



إرسال التعليق