عشر ذي الحجة.. مواسم الطاعة وميدان التنافس في الخيرات.
حديث الروح والجسد مع الباحث ياسين لملس
تُعدّ أيام عشر ذي الحجة من أعظم الأيام عند الله تعالى، فقد اختصّها بمزيد فضلٍ وبركة، وجعل فيها من النفحات الربانية والخيرات ما يدفع المؤمن إلى اغتنامها بالإقبال على الطاعات والأعمال الصالحة. وهي أيام تجتمع فيها أمهات العبادات من صلاة وصيام وصدقة وذكر وحج، مما يجعلها موسماً إيمانياً عظيماً تتجدد فيه صلة العبد بربه.
وقد أقسم الله تعالى بهذه الأيام في كتابه الكريم فقال: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، وذهب جمهور المفسرين إلى أن المقصود بالليالي العشر هي عشر ذي الحجة، ولا يقسم الله إلا بعظيم.
ومن الأدلة على فضلها ما رواه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أيامٍ العملُ الصالحُ فيها أحبُّ إلى الله من هذه الأيام» يعني أيام العشر، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء». رواه البخاري.
وهذا الحديث يبين المنزلة العظيمة لهذه الأيام، حتى إن العمل الصالح فيها يفوق في الفضل كثيراً من الأعمال الجليلة. ولذلك كان الصالحون يعظمون هذه المواسم ويجتهدون فيها اجتهاداً كبيراً.
ومن أعظم الأعمال التي تُستحب في هذه الأيام: الإكثار من الذكر
حثّ النبي صلى الله عليه وسلم على الإكثار من التهليل والتكبير والتحميد، فقال:
«فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد».
فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يرفعون أصواتهم بالتكبير في الأسواق والمساجد والبيوت، إحياءً لشعيرة عظيمة من شعائر الإسلام.
ومن صيغ التكبير المشهورة:
“الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد”.
الصيام
يُستحب صيام هذه الأيام، وخاصة يوم عرفة لغير الحاج، لما ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن صيام يوم عرفة:
«أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله والسنة التي بعده».
ويوم عرفة يوم عظيم تُعتق فيه الرقاب وتتنزل فيه الرحمات، ويقف فيه الحجاج على صعيد عرفات في مشهد إيماني مهيب يجسد وحدة الأمة وخضوعها لله تعالى.
الأضحية
ومن شعائر هذه الأيام الأضحية، وهي سنة مؤكدة تقرباً إلى الله تعالى وإحياءً لسنة نبي الله إبراهيم عليه السلام حين امتثل أمر الله وفدى الله ابنه بذبح عظيم.
قال تعالى:
﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾.
وتحمل الأضحية معاني البذل والتضحية والتكافل الاجتماعي، حيث يفرح بها الفقراء والمحتاجون وتتعزز بها روابط المحبة بين الناس.
التوبة وصلة الأرحام والصدقة
كما ينبغي للمسلم أن يجعل من هذه الأيام فرصة لمراجعة النفس والتوبة الصادقة، والإكثار من الصدقات، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، وإصلاح ذات البين، فالأعمال الصالحة تتضاعف أجورها في هذه المواسم المباركة.
لقد كان الصالحون فيما مضى يدركون قيمة هذه الأيام، فكانوا يستقبلونها بالاجتهاد والعبادة، لا بالغفلة والانشغال بالدنيا. قال الحسن البصري رحمه الله: “ما من أيامٍ الدنيا أحب إلى الله أن يُتعبَّد له فيها من عشر ذي الحجة”.
إن عشر ذي الحجة ليست مجرد أيام عابرة، بل هي محطة إيمانية عظيمة تمنح المؤمن فرصة لتجديد العهد مع الله، ورفع رصيده من الحسنات، واستدراك ما فات من التقصير. فالسعيد من اغتنمها بالطاعة، والخاسر من مرت عليه دون أن ينال من خيرها ونفحاتها.
مشاركة المحتوى:
إرسال التعليق