جاري التحميل الآن
×

حين تتحول مؤسسات الدولة إلى أوكار للعبث… سقوط حسين باهي ليس سوى رأس الجليد.

حين تتحول مؤسسات الدولة إلى أوكار للعبث… سقوط حسين باهي ليس سوى رأس الجليد.

لم يكن إعفاء حسين باهي من إدارة معهد تكوين أطر وزارة الشباب والرياضة “مولاي رشيد” حدثاً عادياً داخل الإدارة المغربية، بل كان انفجاراً متأخراً لفضيحة ظلت تتخمّر لسنوات خلف جدران مؤسسة يفترض أنها تُخرّج أطر الدولة، فإذا بها تتحول إلى مسرح للفوضى المالية والإدارية، وإلى نموذج صارخ لكيفية تحويل المرافق العمومية إلى ضيعات خاصة تُدار بمنطق النفوذ والحماية لا بمنطق القانون والكفاءة.

قرار رئيس الحكومة عزيز أخنوش لم يأتِ من فراغ، ولم يكن “حركة تصحيحية” مفاجئة كما سيحاول البعض تسويقها، بل جاء بعدما وصلت رائحة الاختلالات إلى درجة لم يعد ممكناً معها إخفاء المستور. تقريران أسودان ـ بحسب ما كشفته “الصباح” ـ كانا كافيين لفضح سنوات من العبث والتسيب والتدبير الكارثي الذي حوّل مؤسسة وطنية إلى بؤرة للاختلالات.

لكن الحقيقة الأكثر فظاعة ليست في الإعفاء نفسه، بل في أن هذا الخراب استمر كل هذه السنوات تحت أعين الجميع. أين كانت وزارة الشباب والرياضة؟ أين كانت أجهزة التفتيش والمراقبة؟ وأين كانت الدولة حين كانت المؤسسة تغرق تدريجياً في مستنقع التدبير المشبوه؟

والأخطر أن الحديث اليوم لم يعد يقتصر على سوء التسيير أو الفوضى الإدارية فقط، بل امتد إلى ملفات ثقيلة ذات طابع جنائي، بعدما أصبحت المؤسسة نفسها محاطة بشبهات تزوير في وثائق رسمية وأختام، في قضية لا يزال قاضي التحقيق يباشر أبحاثه بشأنها. وحين تصل مؤسسة لتكوين الأطر إلى مرحلة التحقيق في جرائم تزوير، فإن الأمر يتجاوز “الاختلالات” إلى انهيار خطير في منظومة الثقة والمصداقية.

وفي الكواليس، تتردد روايات أخطر عن بعض الأساتذة الذين حوّلوا الشهادات الجامعية إلى سلعة في سوق النفوذ والمصالح، متحدّين القانون والدولة معاً. إحدى الوقائع التي أثارت الذهول داخل المعهد تتعلق بطالب سحب ملفه نهائياً وغادر المؤسسة، قبل أن يفاجأ الجميع لاحقاً بأنه حصل بطريقة غامضة على شهادة الماستر. واقعة تختصر حجم العبث الذي استوطن المؤسسة، وتكشف كيف يمكن لمنظومة فاسدة أن تُنتج شهادات بلا دراسة، وألقاباً بلا استحقاق، وأطراً بلا كفاءة.

في المغرب، لا تنمو الاختلالات وحدها. الفساد الإداري لا يعيش في العراء، بل يحتاج دائماً إلى مظلة حماية، إلى شبكة صمت، إلى مسؤولين يفضلون دفن الحقائق بدل مواجهة العفن المتصاعد من داخل المؤسسات.

لقد تحولت بعض الإدارات العمومية إلى إمبراطوريات صغيرة يُمارَس فيها النفوذ بلا رقيب، وتُصرف فيها الأموال العمومية وكأنها غنائم حرب، بينما يُطلب من المواطن أن يصدق خطابات الإصلاح والحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

والمثير للسخرية أن مؤسسة “مولاي رشيد” ليست مستودعاً مهملاً أو إدارة هامشية، بل مؤسسة لتكوين الأطر. أي أنها المكان الذي يُفترض أن تُصنع فيه قيم الانضباط والكفاءة والنزاهة. لكن كيف لمؤسسة غارقة في الفوضى أن تُنتج سوى مزيد من الفوضى؟ وكيف يمكن لدولة تريد إصلاح قطاع الشباب والرياضة أن تترك أحد أهم معاهده يتحول إلى عنوان للعبث الإداري والمالي؟

إن ما حدث ليس مجرد “اختلالات”، لأن هذا التعبير الإداري البارد لم يعد قادراً على إخفاء الحقيقة. نحن أمام ثقافة كاملة من الإفلات من العقاب، وأمام عقلية تعتبر المنصب العمومي فرصة للنفوذ لا مسؤولية لخدمة الدولة.

المغاربة تعبوا من مسرحية الإعفاءات المتأخرة. كل مرة تُكتشف فضيحة، يُقال مسؤول، ثم يُطلب من الجميع طي الصفحة وكأن شيئاً لم يكن. لا محاسبة حقيقية، لا كشف للرأي العام، لا استرجاع للأموال، لا محاكمات تليق بحجم العبث.

لقد صار المواطن يرى نفس السيناريو يتكرر: تقارير سوداء، ضجة إعلامية، إعفاء إداري، ثم صمت طويل يُدفن فيه كل شيء حتى إشعار آخر.

ولهذا فإن قضية حسين باهي ليست قضية شخص، بل قضية دولة تختبر اليوم صدقيتها أمام الرأي العام. فإما أن تتحول هذه الفضيحة إلى لحظة حقيقية للمحاسبة وكشف شبكات العبث داخل المؤسسات، وإما أن يكون الإعفاء مجرد قربان صغير لحماية منظومة أكبر ما تزال تتغذى على الصمت والإفلات من العقاب.

مشاركة المحتوى:

إرسال التعليق

المزيد