جاري التحميل الآن
×

سبتة المحتلة… حين سقط الخطاب الإسباني في اختبار الإنسانية

سبتة المحتلة… حين سقط الخطاب الإسباني في اختبار الإنسانية

ليست الدول بما ترفعه من شعارات، وإنما بما تفعله عندما توضع أمام اختبار الضمير الإنساني. وهنا، تبدو إسبانيا اليوم مطالبة بالإجابة عن سؤال أخلاقي وسياسي بالغ الخطورة: كيف يمكن لدولة تتصدر المنابر الدولية للدفاع عن حقوق الإنسان، وتدين بصوت مرتفع ما يجري في غزة، أن تُتهم في المقابل بانتهاج سياسة متشددة في التعامل مع شبان مغاربة دفعتهم أوضاع اجتماعية واقتصادية قاسية إلى المجازفة بحياتهم نحو سبتة المحتلة؟

إن هؤلاء الشباب لم يحملوا سلاحًا، ولم يهددوا أمن دولة، بل حملوا معهم الجوع، والعطش، واليأس، وحلمًا بسيطًا في حياة أكثر كرامة. ومع ذلك، فإن أي تعامل يستخدم القوة المفرطة أو يعرض حياتهم للخطر يثير أسئلة أخلاقية وقانونية لا يمكن تجاهلها، ويضع الخطاب الإسباني حول حقوق الإنسان أمام امتحان عسير.

لقد اختارت مدريد، في مناسبات عديدة، أن تقدم نفسها بوصفها صوتًا للضمير الإنساني في العالم، وأن تنتقد ممارسات دول أخرى، وفي مقدمتها إسرائيل بسبب الحرب على قطاع غزة. غير أن الدفاع عن حقوق الإنسان لا يقبل التجزئة، ولا يمكن أن يكون صالحًا في غزة، ومعلقًا عند حدود سبتة. فالقيم الإنسانية لا تُقاس بجنسية الضحية، ولا بلون جواز سفره، ولا بكونه مهاجرًا أو لاجئًا.

إن سياسة الكيل بمكيالين هي أخطر ما يهدد مصداقية الديمقراطيات الغربية. فمن غير المقبول أن تُرفع رايات القانون الدولي في المحافل الدولية، بينما يُختزل الإنسان المهاجر إلى مجرد “ملف أمني” عندما يصل إلى الحدود الأوروبية.

ولذلك، فإن أي مزاعم بشأن وقوع تجاوزات أو استخدام غير مشروع للقوة تستوجب تحقيقًا مستقلًا وشفافًا يحدد المسؤوليات ويضمن المساءلة، لأن حماية الأرواح ليست منحة من أحد، بل هي التزام قانوني وأخلاقي يقع على عاتق جميع الدول.

وفي المقابل، فإن هذه المأساة تفرض أيضًا على المغرب مواصلة معالجة الأسباب العميقة التي تدفع شبابه إلى المخاطرة بحياتهم في البحر أو عند الأسوار الحدودية، لأن الوطن الذي يمنح أبناءه الأمل هو الوطن الذي يحميهم من اليأس.

إن التاريخ لا يخلد الشعارات، وإنما يخلد المواقف. وإذا كانت إسبانيا تريد أن تبقى وفية للصورة التي تقدمها عن نفسها باعتبارها دولة للحقوق والحريات، فإن الطريق إلى ذلك لا يمر عبر ازدواجية المعايير، وإنما عبر الالتزام بالمبدأ نفسه تجاه جميع البشر، دون تمييز أو انتقائية.

مشاركة المحتوى:

إرسال التعليق

المزيد