الحكومة المقبلة.. أغلبية سياسية وكفاءات تكنوقراطية لمرحلة دقيقة
مرسول بريس
مع بداية المشاورات حول القطاعات و الكفاءات، يبرز سؤال التشكيلة الحكومية باعتباره أكبر من مجرد توزيع للحقائب بين الأحزاب؛ إنه سؤال يرتبط بقدرة الحكومة المقبلة على تدبير مرحلة دقيقة، تواجه فيها البلاد تحديات اجتماعية واقتصادية ودبلوماسية واستراتيجية متزايدة.
ويظل السيناريو السياسي المطروح قائماً على أغلبية تضم الأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والحركة الشعبية، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والاتحاد الدستوري، بما يوفر أغلبية برلمانية مريحة، وفي المقابل يتيح قيام معارضة واضحة تؤدي وظيفتها في المراقبة والمساءلة واقتراح البدائل.
لكن الأهم من هندسة الأغلبية هو هندسة الكفاءات داخل الحكومة.
فالمرحلة المقبلة تتطلب تجاوز منطق توزيع الحقائب وفق الحسابات الحزبية وحدها، واعتماد قاعدة أساسية مفادها أن الحقيبة الوزارية تكليف وطني قبل أن تكون استحقاقاً حزبياً. ومن هنا تبرز أهمية الكفاءات التكنوقراطية، خصوصاً في القطاعات التي تحتاج إلى خبرة تقنية ومهنية عميقة.
ولا يعني ذلك إضعاف البعد السياسي للحكومة، بل العكس؛ المطلوب هو الجمع بين الشرعية السياسية والخبرة التكنوقراطية. فالأحزاب مطالبة بتقديم شخصيات سياسية مؤهلة، لكن من حق الحكومة أيضاً أن تستعين بخبراء مستقلين وأطر ذات تجربة مهنية متخصصة عندما تكون طبيعة القطاع أو حساسية الملف تقتضي ذلك.
وينبغي أن يخضع اختيار الوزير لمجموعة من المعايير الواضحة أولاها التخصص، و نظافة اليد و نوع من التجربة السياسية و الإدارية ، والقدرة على تدبير الملفات، والنزاهة، والقدرة على اتخاذ القرار، والكفاءة في التواصل والتفاوض، والقدرة على تحقيق نتائج قابلة للقياس.
كما ينبغي أن يكون هناك ما يمكن تسميته بالتكليف الاجتماعي؛ أي أن اختيار الوزير لا ينفصل عن مسؤوليته تجاه المجتمع وانتظارات المواطنين، فالوزير ليس مجرد مدير لقطاع، وإنما مسؤول سياسي ومؤسساتي مطالب بفهم التحولات الاجتماعية، والاستماع إلى المواطنين، وتقديم حلول واقعية لمشاكلهم، وربط السياسات العمومية بنتائج ملموسة في حياتهم اليومية.
وتزداد أهمية هذا المبدأ في الملفات الاجتماعية الحساسة، التعليم، والصحة، والتشغيل، والسكن، والحماية الاجتماعية، والقدرة الشرائية. فهذه القطاعات تحتاج إلى وزراء يمتلكون المعرفة التقنية، ولكن أيضاً الحس الاجتماعي والقدرة على الإنصات واتخاذ القرار.
أما في الملفات الاستراتيجية، فإن الحاجة إلى الخبراء تصبح أكثر إلحاحاً. فـملف الصحراء المغربية يحتاج إلى كفاءات تجمع بين المعرفة القانونية والخبرة الدبلوماسية بعد إخفاق وزارة الخارجية في تنزيل تصورات جلالة الملك والإلمام بالجغرافيا السياسية، فيما تتطلب العلاقات مع الاتحاد الأوروبي خبراء قادرين على فهم التعقيدات الاقتصادية والقانونية والتجارية والسياسية وإدارة ملفات التفاوض والدفاع عن المصالح الوطنية في ظل الأزمة الحالية.
وفي هذا الإطار، قد يكون من المفيد أن تضم الحكومة المقبلة وزراء تكنوقراطاً في مواقع محددة، يتم اختيارهم على أساس الخبرة والكفاءة، إلى جانب الوزراء المنتمين إلى الأحزاب، بما يضمن التوازن بين القرار السياسي والمعرفة التقنية.
أما عن حزب التقدم والاشتراكية فيرى خبراء انه يمكن أن يشكل وجوده في المعارضة أحد مكونات التوازن السياسي، بما يسمح له بالمساهمة في النقاش العمومي وممارسة الرقابة وتقديم البدائل.
المعادلة المطلوبة إذن ليست حكومة حزبية خالصة ولا حكومة تكنوقراطية خالصة، وإنما حكومة ذات شرعية سياسية، مدعومة بكفاءات تكنوقراطية، وحاملة لتكليف اجتماعي واضح خدمة للوطن في المرحلة الحالية.
فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى حكومة تقاس ليس بعدد وزرائها أو أحزابها، وإنما بقدرتها على الإنجاز، وبنوعية الكفاءات التي تحمل مسؤولية القرار، وبمدى قربها من المواطن، وقدرتها على الدفاع عن المصالح الاستراتيجية للمغرب.
الأغلبية توفر الاستقرار، والكفاءة توفر الفعالية، والتكليف الاجتماعي يمنح العمل الحكومي معناه الحقيقي.
مشاركة المحتوى:



إرسال التعليق