التفاهة على السوشيال ميديا… إدمان رقمي وغياب للقيم.
حديث الروح والجسد مع الباحث ياسين لملس
أضحى الفضاء الرقمي في السنوات الأخيرة ساحة مفتوحة لكل الأصوات، حيث تتقاطع فيها العلوم والفنون، كما تتكدس فيها أيضًا موجات من المحتويات السطحية التي يُطلق عليها كثيرون “التفاهة”. هذه الظاهرة باتت لافتة على منصات التواصل الاجتماعي، إذ يلقى التفاهة ـ في صورها الساخرة أو المبالغ فيها ـ إقبالًا جماهيريًا واسعًا يفوق أحيانًا ما تحققه المبادرات الثقافية والفكرية الجادة.
ويرى خبراء الإعلام أن انتشار هذا النوع من المحتوى يرتبط بميول المستخدمين نحو الترفيه السريع والبحث عن الهروب من ضغوط الحياة اليومية، فضلًا عن خوارزميات المنصات التي تُعلي من شأن الأكثر انتشارًا لا الأكثر فائدة. وهو ما يجعل منشورًا تافهًا قد يحصد ملايين المشاهدات في ساعات، بينما يتوارى محتوى تثقيفي عميق في الظل.
غير أن خطورة الأمر تكمن في تحوّل التفاهة من مجرد تسلية عابرة إلى “ذوق عام” يُوجّه اهتمامات الشباب ويؤثر في أنماط سلوكهم وطموحاتهم، حيث يغدو المقياس هو عدد المشاهدات لا قيمة الأفكار. ورغم ذلك، لا يُمكن إغفال الجانب الإيجابي في قدرة الإنترنت على كشف الفوارق بين الرصين والسخيف، ومنح المتلقي حرية الاختيار بين ما يغذي عقله وما يقتل وقته.
وإذا نظرنا في القرآن الكريم نرى أنه دعا إلى اغتنام العمر فيما ينفع: «وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ…». كما شدّد الإسلام على قيمة الوقت، وعدّه نعمة عظيمة، فقال النبي ﷺ: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» (رواه البخاري). والتفاهة الرقمية تمثل إهدارًا مباشرًا لهاتين النعمتين.
فالعارفون بالله كانوا يرون أن الوقت رأس مال المسلم الحقيقي، فإذا ضاع فيما لا يفيد فقد أضاع أثمن ما يملك.
إن الشريعة الإسلامية لا تجرّم الترفيه المباح، لكنها ترفض تحويل حياة المسلم إلى لهو فارغ يستهلك عمره. فالتساهل في “إضاعة الأوقات” يُعتبر من علامات الغفلة التي حذّر منها القرآن. ومن هنا فإن استغراق الناس، وخاصة الناشئة، في متابعة التفاهة يعدّ تهديدًا لقيمة الوقت كأمانة سيُسأل عنها الإنسان يوم القيامة: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه…» (رواه الترمذي).
التفاهة في السوشيال ميديا ليست مجرد تسلية بريئة، بل خطر يتسع مع غياب الوعي والمرجعية القيمية. ومواجهتها لا تكون بالحجب والمنع فقط، وإنما ببناء بدائل جاذبة من محتوى هادف، وتعزيز التربية الرقمية، والأهم من ذلك ترسيخ التشبع بالقيم الإسلامية التي تربي على استثمار الوقت فيما ينفع، وصون الصحة والعقل من عبث الاستهلاك الرقمي.
مشاركة المحتوى:


إرسال التعليق